فوزي آل سيف

405

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

الحسين بن سعيد الأهوازي بين أيدينا وثيقة على جانب عظيم من الأهمية، لجهة محتواها وقائلها، ونتيجتها.. فهي من حيث المحتوى رؤية دقيقة ومن الداخل لوضع الأسرة العباسية التي حكم بلاد المسلمين مدة ثلاثة ترون من الزمان الأعجف، وقائلها هو المأمون العباسي، الذي كان (أهون الشرين) ليس أكثر.. ونتيجتها أنها تعطينا فكرة عن كيفية الخراب الذي أصاب الأمة بعد فساد " رأسها". ((.. وليس منكم إلا لاعب بنفسه مأفون في عقله وتدبيره: أما مغن أو ضاب دف، أو زامر، والله لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم: لا تأنفوا من معايب تنالوهم بها، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعاراً ودثاراً وصناعة وأخلاقاً. ليس منكم إلاّ من إذا مسّه الشر جزع وإذا مسّه الخير منع ولا تأنفون ولا ترجعون إلا خشية وكيف يأنف من يبيت مركوباً ويصبح بإثمه معجباً كأنه قد اكتسب حمداً، غايته بطنه وفرجه ولا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل او ملك مقرب. أحب الناس إليه من زين له معصية أو أعانه على فاحشة..))[238]. في الطرف المقابل نجد أن لله " رجالاً " استثنائيين، ولدوا في رحم المعاناة، وعاشوا بين سيف الحاكم وسوطه، وهذا صاغ " ذهب " شخصياتهم في أصفى صورها.. هؤلاء تفاعلت تعاليم الأئمة مع خلايا جسمهم وقطرات دمهم، فإذا بهم ينطلقون لا يوقفهم من مرامهم نهر ولا يحجزهم بحر.. وإذا كانت بلادهم قد كثر فيها الداعون إلى طريق أهل البيت، فإن بقية المناطق تحتاجهم، لكي يزرعوا فيها بذور الولاء والانتماء فما الفرق بين أرض وأخرى، أليست جميعها لله، والساكنون عليها عباده؟!. إن الانتماء الجغرافي لمنطقة، ليس سوى أمر اعتباري ذلك أنه " ليس بلد أولى بك من بلد، خير البلاد ما حملك " ويتأكد هذا المعنى في مواقع المسؤولية. وإذا كان مثل الحسين بن سعيد يريد التأسي بأحد فلن يجد كأئمته (، فبينما تجد أن وطنهم كان الحجاز، إذا بهم تفرقهم مسؤولياتهم والظروف المحيطة بها إلى شتى أقطار الأرض، فبينما يدفن أمير المؤمنين بالنجف، يدفن ابنه الحسن في المدينة، والحسين في كربلاء وموسى الكاظم في بغداد، وها هو الرضا علي يعيش في خراسان. وإذا كانت الأسفار يومئذ، صعبة لكونها بواسطة الخيل أو الجمال، فقد كانت الهمم آنئذٍ قوية أيضاً، لذلك شد الحسين وأخوه الحسن ابنا سعيد رحال السفر وغادرا الكوفة حيث مسقط رأسيهما وغادرا متجهين إلى الأهواز. وصلا الأهواز وبدلا من أن يحيط بهم شعور الغربة عن المجتمع فيمنعهم عن التفاعل معه والتأثير فيه، دخلوا في وسط الناس، وتعارفوا واستطاعوا أن يحولوا الاتجاه الفكري الموجود فيها إلى اتجاه خالص وواع بطريق أهل البيت (. إن الحسين ليفكر دائماً، إن صناعة الشخص الكفوء وتربيته وفقاً للأفكار السليمة، سوف يكون له من التأثير الأمن الكبير، ومن الشخص يمكن صناعة التجمع المناسب.. وهذه المهمة لا يكفي فيها التوجيه العام، بل لا بد من تربية خاصة ينتخب فيها ذلك الفرد المطلوب بعناية تامة، لأنه سيؤهل إلى تغيير المجتمع وقيادته في المستقبل، وهنا فإن الغلطة هي بألف. ولا يكمن الخطر في المستقبل عند انتخاب الفرد غير الصالح بل إن ذلك الخطر يتناول الحاضر أيضاً،

--> 238 / بحار الأنوار 49 / 214